السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
495
مفاتيح الأصول
من عصر الأئمة عليهم السلام إلى زماننا هذا في أصول الدين وفروعه على ما تشهد به الكتب والمصنّفات بما لا يمكن دفعه ولا حمله على المجازفة وتغيير الاصطلاح وإطباق الجميع حتى المنكر للإجماع على نقل الشهرة من غير نكير مع أن الكثرة والانتشار لو منعا من العلم بالإجماع لمنعا من الشهرة أيضا إذ لعلّ في من لا نعرفه من الفقهاء المنتشرين في الآفاق جمعا كثيرا يوافقون الشاذّ ويخالفون المشهور فلا يبقى معه الشاذ شاذا ولا المشهور مشهورا مع مسيس الحاجة والاضطرار إلى هذا الأصل فيما خلا عن النّص من كتاب أو سنة أو وجد فيه ذلك إذ كلما يتفق من النصوص في أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات ما ينطبق على تمام الحكم ولا يحتاج إلى الاستعانة بالإجماع في التعدية على المدلول والقصر على بعضه والتصرف في وجوه دلالته مع بطلان القياس وعدم استقلال العقل بأكثر الأحكام وبالجملة لا يقوم للفقه عمود ولا يخضر له عود إلا بهذا الأصل ومن استغنى عنه حينا فيحتاج وقتا مّا وما أنكره أحد في الأصول إلا وقد التجأ إليه في الفروع وقد وجدنا كثيرا من النّاس ينكرونه في السّعة ويقرون به عند الضيق وليس ذلك إلا من قلَّة التحقق مفتاح اعلم أن طريقة معرفة الإجماع الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام الَّذي هو حجة لا ينحصر في طريق واحد بل هو متعدد وقد أشار إلى ذلك السّيد الأستاذ رحمه الله فقال وأما الكشف عن قول المعصوم عليه السلام وهو مناط الإجماع عندنا فللأصحاب فيه طريقان أحدهما وهو المسلك الأعظم والمنهج الأقوم حصول العلم بدخول المعصوم عليه السلام للعلم باتفاق من يشمله ومرجعه إلى ترتيب قياس من الشكل الأول وهو أن الإمام عليه السلام أحد العلماء أو أحد علماء العصر وكلهم أو من عدا المعروف منهم قائل بهذا الحكم فالإمام عليه السلام قائل به أمّا الأولى فلأن الإمام المعصوم عليه السلام سيّد العلماء ورئيس الفقهاء وهو موجود في كلّ عصر إمّا ظاهرا مشهورا أو خفيّا مستورا كما هو قضيّة المذهب وأما الثانية فلأن المفروض حصول العلم الإجمالي باتفاق الجميع من غير توقف على العلم بقول كلّ واحد على التّفصيل فإن العلم بالجملة كما يحصل من العلم بالتفصيل فقد يحصل العلم بالتفصيل من العلم بالجملة وعليه المدار في جميع البراهين المتجه للعلم واليقين لأن العلم الإجمالي فيها لو توقف على التفصيل لزم الدّور المحال والطَّريق إلى العلم الإجمالي هاهنا ما مرّ مفصلا وحاصله التتبع الذي به يظهر مذهب الغائب من مذهب الشّاهد وينكشف قول من لا يعرف من قول من يعرف ولا يقدح فيه وجود الخلاف في بعض الطبقات ولا وجود المخالف الشّاذ في عصر المجمعين إذا كان معروفا نعم يشترط دخول كلّ من لا يعرفه ممن يحتمل كونه الإمام لأنّ القطع بدخوله لا يحصل إلا بذلك فإنا لا نعرف الإمام عليه السلام بشخصه ومع فرض المعرفة لا حاجة إلى استعلامه بغيره وربّما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام عليه السلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرّؤية في هذه الغيبة فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه فيبرزه في صورة الإجماع جمعا بين الأمر بإظهار الحق والمنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق لكن هذا على تقديره طريق آخر بعيد الوقوع مختص بالأوحدي من النّاس وذلك في بعض المسائل الدّينية بحسب العناية الربّانية فلا ينتقض به ما قررناه وثانيهما حصول العلم بقوله للعلم باتفاق غيره من علماء الطائفة وفيه مسلكان الأول استفادة الموافقة من عدم الردّ وفيه وجهان الأوّل البناء على قاعدة اللطف الَّتي لأجلها وجب على اللَّه نصب الإمام فإنها تقتضي ردهم لو اتفقوا على الباطل فإنه من أعظم الألطاف فإن امتنع حصوله بالطَّرق الظَّاهرة فبالأسباب وحيث انتفي الردّ مطلقا علم موافقته لما أجمع عليه فيكون حجّة وحجيّته وإن كانت متوقفة على وجوب الردّ لكن وجوب الرد لا يتوقف على حجيته فلا يلزم الدّور كما ظن ولا يرد على ثبوت ذلك الحيرة في زمن الغيبة لأن وقوع الإجماع فيها وشمولها للكل في الحكم الواحد غير مقطوع به ولا نقض إلَّا بأمر بيّن على أن الردّ عن الباطل لا يستلزم دفع الحيرة إذ مع التردّد والاشتباه يحصل التخلَّص بالتوقف في الحكم والاحتياط في العمل بخلاف ما لو اتفقوا على الباطل وهذه الطريقة قد سلكها الشيخ في العدة وادعى أن العلم بإجماع الطَّائفة لا يحصل إلا بها واختارها جماعة منهم الحلبي في ظاهر الكافي وزيّفها المرتضى في الذّريعة واحتمل اختصاص اللَّطف المذكور بزمان الحضور قال وإذا كنا نحن السبب في غيبته وكلما يفوتنا من الانتفاع به وبتصرفه وبما معه من الأحكام فقد أتينا من قبلنا لا من قبله وفي العدّة أن هذا هو الَّذي ذهب إليه المرتضى أخيرا ويفهم منه ارتضاؤه لها أوّلا وقد ينتصر لها بأن وجود الإمام عليه السلام في زمن الغيبة لطف قطعا فيثبت فيه كلما أمكن لوجود المقتضي وانتفاء المانع وأن هذا اللطف قد ثبت وجوبه قبل الغيبة فيبقى بعدها بمقتضى الأصل وأن النّقل المتواتر قد دل على بقائه وقد ورد ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بألفاظ ومعان متقاربة فعن النّبي صلى الله عليه وآله أن لكل بدعة من بعدي يكاذب بها الإيمان وليّا من أهل بيتي موكَّلا يذبّ عنه ويعلن الحق ويرد كيد الكائدين وعنه صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت أن فيهم في كل خلف عدولا ينفون عن الدّين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وفي المستفيض عنهم عليهم السلام أن الأرض لا تخلو إلا وفيها عالم إذا زاد المؤمنون شيئا ردّهم إلى الحق وإن نقصوا شيئا تمّمه لهم ولولا ذلك لا التبس عليهم أمرهم ولم يفرقوا بين الحق والباطل وعن أمير المؤمنين في عدة طرق اللَّهم إنك لا تخلي الأرض من قائم بحجة إمّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا تبطل حججك وبيّناتك